اسماعيل بن محمد القونوي

353

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 77 ] وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ( 77 ) قوله : ( وقرىء يا مال على الترخيم مكسورا ومضموما ولعله شعر بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام ) ولعله والقراءة المشهورة وهي بلا ترخيم يضعف هذا الاحتمال والإشعار ولذا قال ولعله قوله لا يستطيعون الخ وعلى القراءة المتواترة يستطيعون وهل هذا لا تناقض فالأحسن الترخيم وكذا الاختصار المذكور لفرط الملالة وكمال التضجر كما هو نكتة الشائعة في هذا العالم . قوله : ( ولذلك اختصروا فقالوا ليقض الآية ) اختصروا أي بطلب الموت وإضمار قولهم وقل وسل . قوله : ( والمعنى سل ربنا أن يقضي علينا من قضى عليه إذا أماته ) وفسره في قوله تعالى : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [ القصص : 15 ] فقتله أي أماته بالقتل وأصله أنهى حياته من قوله وقضينا إليه ذلك الأمر . قوله : ( وهو لا ينافي إبلاسهم فإنه رجاء وتمن للموت من فرط الشدة ) جواب سؤال مقدر بأن يقال إن بأسهم من النجاة ينافي تمني الموت فإن الموت نجاة من العذاب فأجاب بأنهم لفرط الدهشة تمنوا النجاة مع تيقنهم أنه لا يفيد ذلك ألا يرى أنهم يحلفون ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] مع علمهم بأنه لا ينفع من فرط الحيرة والدهشة كما يقولون : رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها [ المؤمنون : 107 ] وقد أيقنوا الخلود كذا قاله المصنف هناك وصاحب الكشاف سلك في السؤال والجواب بأنه بعد ما وصفهم بالإبلاس أي السكوت كيف قال ونادوا يا مالك والنداء ينافي السكوت وأجاب بأنه تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم وعلمهم بأنه لا فرح ويغوثون أوقاتا لشدة ما بهم انتهى والمصنف لم يعتبر السكوت في الإبلاس بل حمله على اليأس من قوله : وقرىء يا مال بحذف الكاف للترخيم روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ على المنبر وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [ الزخرف : 77 ] وفي قراءة عبد اللّه ونادوا يا مال وقرأ أبو السراد الغنوي يا مال بالضم كما يقال يا حار قال ابن جني وللترخيم في هذا الموضع سرو ذلك أنهم لعظم ما هم عليه ضعفت قواهم وذلت أنفسهم وصغر كلامهم فكان هذا موضع الاختصار ضرورة وقال الطيبي هذا اعتذار منه لقراءة ابن مسعود حيث ردها ابن عباس حين سمع أن ابن مسعود قرأ ونادوا يا مال فقال ما اشغل أهل النار عن الترخيم فإن ما للتعجب مثاله قولك لمن كان في شدة اشتغل عنها بما لا يتهمه ما اشغلك عن هذا إما يصدك عن هذا ما أنت فيه من الهول والشدة وخلاصة اعتذار ابن جني أن هذا الترخيم لم يصدر عنهم عن التكلف بل عن العجز وضيق المجال . قوله : فإنه جؤار وتمن للموت من فرط الشدة هذا جواب لما عسى يسأل أن قولهم ليقض علينا ربك طلب منهم وسؤال ووصفهم بالإبلاس ينافي ذلك لأن اليأس من حصول المطلوب يوجب ترك الطلب فأجاب بأن ذلك تمن من فرط الشدة لا من رجاء حصول المطلوب وفي الكشاف تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة فيختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتا لغلبة اليأس عليهم ويغوثون أوقاتا لشدة ما بهم .